القرطبي

178

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثالثة - فأما من ترك الصلاة متعمدا ، فالجمهور أيضا على وجوب القضاء عليه ، وإن كان عاصيا إلا داود . ووافقه أبو عبد الرحمن الأشعري الشافعي ، حكاه عنه ابن القصار . والفرق بين المتعمد والناسي والنائم ، حط المأثم ، فالمتعمد مأثوم وجميعهم قاضون . والحجة للجمهور قوله تعالى : " أقيموا الصلاة " ( 1 ) [ الانعام : 72 ] ولم يفرق بين أن يكون في وقتها أو بعدها . هو أمر يقتضي الوجوب . وأيضا فقد ثبت الامر بقضاء النائم والناسي ، مع أنهما غير مأثومين ، فالعامد أولى . وأيضا قوله : ( من نام عن صلاة أو نسيها ) والنسيان الترك ، قال الله تعالى : " نسوا الله فنسيهم " ( 2 ) [ التوبة : 67 ] و " نسوا الله فأنساهم أنفسهم " ( 3 ) [ الحشر : 19 ] سواء كان مع ذهول أو لم يكن ، لان الله تعالى لا ينسى . وإنما معناه تركهم . و " ما ننسخ من آية أو ننسأها " ( 4 ) [ البقرة : 106 ] أي نتركها . وكذلك الذكر يكون بعد نسيان وبعد غيره . قال الله تعالى : " من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي " وهو تعالى لا ينسى [ فيكون ذكره بعد نسيان ( 5 ) ] وإنما معناه علمت . فكذلك يكون معنى قوله : ( إذا ذكرها ) أي علمها . وأيضا فإن الديون التي للآدميين إذا كانت متعلقة بوقت ، ثم جاء الوقت لم يسقط قضاؤها بعد وجوبها ، وهي مما يسقطها الابراء كان في ديون الله تعالى ألا يصح فيها الابراء أولى ألا يسقط قضاؤها إلا بإذن منه . وأيضا فقد اتفقنا أنه لو ترك يوما من رمضان متعمدا بغير عذر لوجب قضاؤه فكذلك الصلاة . فان قيل فقد روى عن مالك : من ترك الصلاة متعمدا لا يقضي أبدا . فالإشارة إلى أن ما مضى لا يعود ، أو يكون كلاما خرج على التغليظ ، كما روي عن ابن مسعود وعلي : أن من أفطر في رمضان عامدا لم يكفره صيام الدهر وإن صامه . ومع هذا فلا بد من توفية التكليف حقه بإقامة القضاء مقام الأداء ، واتباعه بالتوبة ، ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء . وقد روى أبو المطوس عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من أفطر يوما من رمضان متعمدا لم يجزه صيام الدهر وإن صامه ) وهذا يحتمل أن لو صح كان معناه التغليظ ، وهو حديث ضعيف خرجه أبو داود . وقد جاءت الكفارة بأحاديث ( 6 ) صحاح ، وفي بعضها قضاء اليوم ، والحمد لله تعالى . الرابعة - قوله عليه الصلاة والسلام : ( من نام عن صلاة أو نسيها ) الحديث يخصص عموم قوله عليه الصلاة والسلام : ( رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ )

--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 344 فما بعد . ( 2 ) راجع ج 8 ص 199 فما بعد . ( 3 ) راجع ج 18 ص 43 . ( 4 ) راجع ج 2 ص 61 . ( 5 ) من ج وك وط وى . ( 6 ) في ب وز وك : بأسانيد .